الفيض الكاشاني
22
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وقد قيل : معاشرة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار ، وأنواع الشرّ الَّذي يلقاه الإنسان من معارفه ومن يختلط به كثيرة ولسنا نطول بتفصيلها وفيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها وفي العزلة خلاص عن جميعها وإلى هذا أشار أكثر من اختار العزلة ، فقال أبو الدّرداء : أخبر تقله ، وقال الشاعر : من حمد الناس ولم يبلهم * ثم بلاهم ذمّ من يحمد وصار بالوحدة مستأنسا * يوحشه الأقرب والأبعد وقال ابن السماك : كتب صاحب لنا : أمّا بعد فإنّ الناس كانوا دواء يتداوى بهم فصاروا داء لا دواء لهم ، ففرّ منهم فرارك من الأسد . وكان بعض الأعراب يلازم شجرة ويقول : هو نديم فيه ثلاث خصال : إن سمع منّي لم ينمّ ، وإن تفلت في وجهه احتمل ، وإن عربدت معه لم يغضب ، فسمع الرشيد ذلك فقال : زهّدني في الندماء . وكان بعضهم قد لزم المقابر والدّفاتر فقيل له : في ذلك فقال : لم أر أسلم من الوحدة ، ولا أوعظ من قبر ، ولا جليسا أمتع من دفتر . وكان بعضهم يريد الحجّ وأراد آخر مصاحبته ، فقال له : دعنا ويحك نتعايش بستر الله إنّي أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه . وهذه إشارة إلى فائدة أخرى في العزلة وهو بقاء الستر على الدّين والمروة والأخلاق والفقر وسائر العورات ، وقد مدح الله سبحانه المتستّرين فقال : « يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف » ( 1 ) وقال الشاعر : ولا عار إن زالت عن الحرّ نعمة * ولكنّ عارا أن يزول التجمّل ولا يخلو الإنسان في دينه ودنياه وأخلاقه وأفعاله عن عورات الأولى في الدّين والدّنيا سترها ولا تبقى السّلامة مع انكشافها . وقال أبو الدّرداء : كان الناس ورقا لا شوك فيه والناس اليوم شوك لا ورق فيه . وإذا كان هذا حكم زمانه وهو في آخر القرن الأوّل فلا ينبغي أن تشكّ
--> ( 1 ) البقرة : 273 .